السيد كمال الحيدري

158

شرح بداية الحكمة

ويوجد برهان آخر لإثبات أن كل حادث زماني مسبوق بقوة الوجود ، وهو : إذا كان الحادث الزماني غير مسبوق بقوة الوجود فيلزم أن تكون نسبته إلى جميع الأزمنة على حد سواء . فلا مخصص لصدوره في زمان دون غيره . فإن وجد في زمان دون آخر يلزم من وجوده الترجيح بلا مرجّح وهو محال « 1 » . سؤال : هل الوجود بالقوة - الذي هو مرتبة ضعيفة ممن الوجود - أمر جوهري أم عرضي ؟ يقول المصنف : إنّه لا شبهة في كونه عرضاً ؛ لأن الإمكان الاستعدادي يقع صفة لشيء آخر ، كالنطفة فيها إمكان أن تكون إنساناً ، ولو كان الوجود بالقوة أمراً جوهرياً لكان الإمكان الاستعدادي وجوداً مستقلًا عن النطفة فلا يقع صفة لشيء آخر ، ولكن حيث إنّه يقع صفة للنطفة فيكون وجوده عرضياً وليس جوهرياً . سؤال : إذا كان الوجود بالقوة عرضاً فما هو موضوعه الحامل له ؟ يقول المصنف : فلنسمّ هذا الإمكان ( بالقوة ) ، ولنسمّ موضوع هذا الإمكان ( بالمادة ) ( ، والنتيجة : إن كلّ حادث زماني مسبوق بمادة تحمل قوّة وجوده ، وقد تقدّم في تعريف المادة عند التعرّض لأقسام الجوهر أنها

--> ( 1 ) ها هنا بحث يرتبط بالمعاد ، فقد ثبت أن كل حادث زماني مسبوق بقوة الوجود ، وأن الشيء ما دام في عالم المادة ففيه قابلية أن يكون شيئاً آخر ، ولا تسلب هذه القابلية عن الشيء ما دام في عالم المادة . ومن هنا يتّضح ما ورد في جملة من الروايات من التعبير عن عالم الدنيا بعالم العمل ، وعن عالم الآخرة بعالم الحساب ، فإن حديث ) اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل ( ( بحار الأنوار : ج 32 ، ص 355 ) . لا يشير إلى تشريع من تشريعات الله سبحانه وتعالى ، بل هو إشارة إلى أمر تكويني ؛ لأن العالم عالم التغيّر ، وعالم الخروج من القوة إلى الفعل مما يعني أن هناك مجالًا للعمل . وأما العالم الآخر فحيث إنّه لا توجد فيه قابلية التغيّر فلا مجال حينئذ للعمل من ناحية التكوين لا التشريع ؛ فإنّ تلك النشأة ليست نشأة العمل وإنما هي نشأة الحساب . وهذا يدلّ على أن عالم الآخرة ليس امتداداً لعالم الدنيا ، وإلّا لو كان عالم الآخرة امتداداً لعالم الدنيا لكانت القوانين الحاكمة فيهما واحدة ، مع أنّ - بحسب ما يظهر من القرآن الكريم - نشأة الدنيا تختلف عن نشأة الآخرة ، قال تعالى : وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ الواقعة : 61 . وهذا أحد البراهين في علم المعاد لإثبات أن القوانين التي تحكم عالم المادة لا تجري في عالم الآخرة ، وكذلك العكس ( العلامة الحيدري ) .